مساء الخير لكل إنسان

سُررت في الفترة الأخيرة التي أصبح يوجد لدينا فيها زملاء مسيحيين نحاورهم ويحاورونا ، وأظن أن وجودهم يثري النقاش في هذا المنتدى الحبيب وهذا القسم بالذات.
والمسيحيون هم أهلي ولا أحمل لهم الكراهية ، لأني آتي من عائلة مسيحية متدينة إلى حد ما بإستثنائي أنا وأخي الصغير الذي ترك المسيحية على يدي بعد ساعات وأيام طويلة من النقاش.
ولسبب أهم وهو أنهم الديانة الوحيدة بين الديانات اللاسماوية الثلاثة التي لا تطلب من أتباعها القتل إرضاءاً لإله ، ولا تعتمد العنف بين أساليبها (وربما جاء ذلك بعد مجهودات عظيمة من الأوروبيين الذين أوقفوا سلطة الكنيسة على الحياة العامة ، وربما يعود إلى حقيقة أن النصوص المقدسة في هذه الديانة لا تطلب ذلك مطلقاً ، بعكس اليهودية والإسلام حيث يمتلىء كتابي التوراه والقرآن بطلب العنف تجاه الأخرين ، ويعد كتبة هذه الكتب من يقدم ذلك بمكافأت مغرية).
والحقيقة أنني لا أحمل الكراهية للمسيحين أو المسلمين أو غيرهم ، لأنني أنظر إلى أتباع الديانات الذين ورثوها عن أبائهم (ومنها اليهودية والمسيحية والإسلام) على أنهم ضحايا لأمرين: الأول الخداع الذي تلقوه في عمر مبكر حتى رسخ في أدمغتهم ، ولو تلقوه في عمر الوعي والقدرة على التفكير لما قبل به أغلبهم ، والثاني هو الإجبار حيث يولد الإنسان على دين الأبوين الذين يكونان في العادة من دين واحد ، ولا تسمح له العائلة أو المجتمع برفض هذا الدين والإنسلاخ عنه ، فيبقى عليه حتى مع وجود عشرات التساؤلات والتناقضات والأخطاء ، ويخاف من التصريح بشكوكه أو بكفره إما حفاظاً على مشاعر أهله ، وإما حفاظاً على حياته ، وهو شعور صعب ومهين على كل إنسان حر.
أنا عمري 35 ، وهذا الصيف سأصبح 36. ولدت مسيحياً وتلقيت تعليمي في الصفوف التسعة الأولى (الذي نسميه في الأردن التعليم الأساسي) في مدارس مسيحية لطائفتي الكاثوليك واللاتين. كنت أحاول الوصول إلى المدرسة قبل قرع الجرس بربع ساعة ، حتى أدخل الكنيسة التي لا يفصل بينها وبين المدرسة إلا أمتار قليلة ، وأركع واصلي. صدقوني ، لقد كنت أبكي من شدة حبي للمسيح في سنوات مراهقتي ، وكنت أبكي من محبتي وإحترامي للمبادىء الإنسانية التي كان يعلمها ، فلقد كانت تؤثر في نفسي لدرجة البكاء ، فهذا المعلم يقول لي أن أحب عدوي وأن أدعو له وأن لا ألجأ للعنف ، وأن أترك ذبيحتي التي أريد تقديمها لله في منتصف الطريق إن تذكرت أنني قد أغضبت إنساناً ، وأن أذهب لأصالح هذا الإنسان أولاً ، قبل أن أعود لتقديم ذبيحتي لله ! ما هذا النبل ؟ ما هذا الإهتمام بمشاعرالأخرين وبعلاقتي معهم؟
لقد كنت معجباً جداً بالمسيحية !
ولكن ، عندما بدأت أكبر ، أصبحت مطالب الرضى لدي .. أكبر ! فكنت أتوقع من الله أن يقدم نفسه في كتاب خالٍ من أي أخطاء أو عيوب أو تناقضات. وهو ما وجدت للأسف أنه لا ينطبق على الإنجيل ، أو على أي كتاب أخر أعرفه ! فسقط الإنجيل من المكانة المقدسة التي عاش فيها لسنوات عندي ، عند أول تناقض ، وفشل تماماً في الإختبار عندما وجدت التناقض الثاني! فتوقفت عن قرائته فوراً رغم أنني كنت أقرأ 4 إصحاحات يومياً قبل النوم ، وأتبعها بسجود وصلاة ، وكم كنت أشعر بالإلم أن داهمني النعاس قبل أن أقوم بطقوسي ، وكنت أشعر بشعور سيء جداً ، حتى ليلة اليوم التالي ، حيث كنت أقرأ 8 إصحاحات وأصلي ضعف وقت الصلاة العادية ، معوضاً "خطأي وإهمالي" ثم أنام قرير العين !
إن التناقضات البسيطة في أمور غير مهمة هي التي فتحت عيني على الفجوات الكبيرة جداً في أسطورة المسيحية ، هذا كله قبل أن أفكر ولو لمرة في مدى إشباع فرضية الإله لرغبتي في معرفة السؤال الكبير:"من أين أتينا؟ وإلى أين سنذهب؟" ... في الحقيقة ، إن الإجابة على هذا السؤال بـ"الله" هي إجابة ، تقتل البحث عن الحقيقة ، وتأتي من دون أي دليل ملموس! ومن ذا الذي يصدق القصص من دون الأدلة ؟ خصوصاً عندما تكون قصاً كبيرة ، فيها الكثير من الإدعاءات الهائلة ، فعندما تذكر للناس قصة "كبيرة" تحمل عدداً كبيراً من الأمورالتي لا تصدق ، يجب ان تقدم دليلاً ، وإلا كان من يصدقوك هم مجموعة من الساذجين ، حتى لا أستخدم كلمات أقسى !
وقاد أمر إلى أخر طوال 8 سنوات ، عشت فيها متشككاً ، لم أترك مسيحيتي ، ولكني بحثت خلالها عن بديل ، كنت أصلي أحياناً وأحياناً أترك الصلاة... أعيش في تشويش كبير من عمر 17 إلى عمر 25 ... وبعد صراع طويل مع الخرافات والأساطير ، جاء الإلحاد الشافي ، الذي سبب لي حزناً عميقاً في البداية لأنه يعني أنه لا توجد حياة يعد الموت ، ولا يوجد عدل في هذه الحياة ولا إله يعاقب الأشرار ويكافىء الأخيار.
وسرعان ما زالت هذه الغمامة ، وأتفق العقل مع القلب ، في رفض خرافة الدين المسيحي التي ولدت عليها ، وأقول بكل صدق ، أنه لا الصلاة والا الإنجيل ولا الخشوع في الكنيسة ولا التراتيل المؤثرة ولا علمي بأن المسيح قد فداني بحياته ، كل هذه الأمور لم تقدم لي جزءاً من السعادة التي قدمها لي الإلحاد ، لأن قمة السعادة أن يتناغم العقل مع القلب ، والعاطفة مع المنطق ، وأن لا تعيش عبداً لخرافة ، في دين مليء بالثقوب ، وأن تكون في موقع دفاعي في كل الوقت كما هو حال المسيحين (والمسلمين) ، تحاول الدفاع عن دينك الميء بالفجوات والتناقضات بلي عنق كلمة أو موقف أو غير ذلك.
ألحدت في ديسمبر 1998 ، ومرت عشرة سنوات ، وفي كل يوم أشعر أن الإلحاد قدم لي ما لم يقدمه المسيح ولا المسيحية ولا الكنيسة ولا الله نفسه !
وأحاول أن أنشر ما توصلت له ، إلى كل من يهمني أمرهم من حولي من الأصدقاء أو الأقارب ، الذي أرى أنهم يتمتعون بقابلية عقلية للنقاش ، ولتقبل الرأي الأخر. وفي نقاشاتي كنت أسمع أجوبة قوية وأخرى ضعيفة ، أجوبة تجعلني أفكر ، وأخرى تضحكني !
ولكن هنالك عدد من الأسئلة حول موضوع واحد بخاطري الأن ، يشكل برأي "جبلاً" من التناقض الذي لا يمكن العيش معه ، فأتيت بها هنا لزملائنا المسيحين لأعرف أرائهم به:
الزملاء المسيحين

1. ما هي مكانة العهد القديم عندكم (أو عند كل منكم) ؟
2. هل تعترفون به كتاب إلهي؟ أم ككتاب تاريخي؟ أم غير ذلك أم لا شيء مما ذكر؟
3. ما رأيكم بالإختلاف الذي لا يوصف بين تعاليم المسيح وتعاليم من سبقوه؟ لماذا هذا الإختلاف؟ ما سببه ؟ وما هدفه؟ ... إذا كان الإله الذي أرسل كل هؤلاء الرسل ومعهم إبنه هو واحد؟
4. وإذا كنتم تستدلون بإنسانية أصل القرآن بالإختلاف الرهيب بين قرآن مكة وقرآن المدينة (ومعكم كل الحق فيما تقولون) ، فكيف تتقبل نفوسكم إختلافاً أكثر شراسة بين عهد الله القديم ، وعهد الله الجديد؟ وهل يمكن لنا أن نستدل بهذا الإختلاف (كما هي في حالة الإسلام) على الأصل الإنساني للكتاب المقدس بعهديه؟
5. هل تعتقدون أن المسيح كان يحاول هدم الديانة اليهودية العنيفة والعنصرية ، وتقديم بديل أخر يحمل قيماً إنسانية أرقى؟
6. المسيح قال:"ما جئت لأهدم ، بل لاُكمل" ولكن من الواضح أنه هدم اليهودية وعنصريتها وعنفها من أساسه ، وقدم ديانة تحض على حب السامريين (ألد اعداء اليهود) والتعامل معهم بإنسانية ومحبة ، فهل هذا إسمه "إكمال" أم "هدم" ؟ فكيف أكمل (مثلاً والأمثلة كثيرة) رجم الزانية (في اليهودية) بإخلاء سبيلها (في المسيحية) ؟؟؟
7. كيف توافق بين موقف اليهودية ووصفها المسيح بأبشع الصفات ، وإيمان المسيحية في نفس الوقت بكتبهم ؟
مع اطيب تحياتي للجميع
وشكري لكل من سيتكرم بتقديم وقته وجهده للإجابة أو لإثراء النقاش
وأمنياتي الصادقة للمسيحين بالتحرر من هذه الخرافة ... فصدقوني ... هذا ليس صعباً